القرطبي

342

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

النعمة . ابن زيد : رثاثة ثيابهم . وقال قوم وحكاه مكي : أثر السجود . ابن عطية : وهذا حسن ، وذلك لأنهم كانوا متفرغين متوكلين لا شغل في الأغلب إلا الصلاة ، فكان أثر السجود عليهم . قلت : وهذه السيما التي هي أثر السجود اشترك فيها جميع الصحابة رضوان الله عليهم بإخبار الله تعالى في آخر " الفتح " بقوله : " سيماهم في وجوههم من أثر السجود ( 1 ) " فلا فرق بينهم وبين غيرهم ، فلم يبق إلا أن تكون السيماء أثر الخصاصة والحاجة ، أو يكون أثر السجود أكثر ، فكانوا يعرفون بصفرة الوجوه من قيام الليل وصوم النهار . والله أعلم . وأما الخشوع فذلك محله القلب ويشترك فيه الغنى والفقير ، فلم يبق إلا ما اخترناه ، والموفق الاله . الرابعة - قوله تعالى : ( لا يسألون الناس إلحافا ) مصدر في موضع الحال ، أي ملحفين ، يقال : ألحف وأحفى وألح في المسألة سواء ، ويقال : * وليس للملحف مثل الرد ( 2 ) * واشتقاق الالحاف من اللحاف ، سمى بذلك لاشتماله على وجوه الطلب في المسألة كاشتمال اللحاف من التغطية ، أي هذا السائل يعم الناس بسؤاله فيلحفهم ذلك ، ومنه قول ابن أحمر : فظل يحفهن بقفقفيه ( 3 ) * ويلحفهن هفهافا ثخينا يصف ذكر النعام يحضن بيضا بجناحيه ويجعل جناحه لها كاللحاف وهو رقيق مع ثخنه . وروى النسائي ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان إنما المسكين المتعفف اقرؤوا إن شئتم " لا يسألون الناس إلحافا " . الخامسة - واختلف العلماء في معنى قول " لا يسألون الناس إلحافا " على قولين ، فقال قوم منهم الطبري والزجاج : إن المعنى لا يسألون البتة ، وهذا على أنهم متعففون عن

--> ( 1 ) راجع ج 16 ص 292 . ( 2 ) هذا عجز بيت لبشار بن برد وصدره كما في ديوانه واللسان : * الحر يلحى والعصا للعبد * ( 3 ) قفقفا الطائر : جناحاه .